ابن كثير
111
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله تعالى : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هو الذهب ، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود : أو يكون لك بيت من ذهب أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ أي تصعد في سلم ونحن ننظر إليك وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قال مجاهد : أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة هذا كتاب من اللّه لفلان تصبح موضوعة عند رأسه . وقوله تعالى : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا أي سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته ، بل هو الفعال لما يشاء إن شاء أجابكم إلى ما سألتم ، وإن شاء لم يجبكم ، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وقد فعلت ذلك ، وأمركم فيما سألتم إلى اللّه عز وجل . قال الإمام أحمد بن حنبل « 1 » : حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد اللّه بن زحر عن علي بن يزيد ، عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « عرض علي ربي عز وجل ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك » ورواه الترمذي « 2 » في الزهد عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به ، وقال : هذا حديث حسن ، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 94 إلى 95 ] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً ( 94 ) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ( 95 ) يقول تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أي أكثرهم أَنْ يُؤْمِنُوا ويتابعوا الرسل إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلا ، كما قال تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] ، وقال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [ التغابن : 6 ] الآية . وقال فرعون وملؤه أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [ المؤمنون : 47 ] وكذلك قالت الأمم لرسلهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [ إبراهيم : 10 ] والآيات في هذا كثيرة ، ثم قال تعالى منبها على لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا عنه لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته ، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه كما قال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ آل عمران : 164 ] وقال تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] وقال تعالى : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ
--> ( 1 ) المسند 5 / 254 . ( 2 ) كتاب الزهد باب 35 .